matar1215

منوع
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

  صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:11 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:11 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:11 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:11 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:12 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:12 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:12 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:12 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:15 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:15 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:16 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:16 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:18 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:18 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:18 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:18 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:19 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:19 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:19 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأحد أكتوبر 23, 2016 7:22 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].



_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الجمعة أكتوبر 28, 2016 6:00 am


صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].


_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأربعاء نوفمبر 02, 2016 6:01 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].

_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأربعاء نوفمبر 02, 2016 6:02 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].

_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأربعاء نوفمبر 02, 2016 6:02 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].

_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
لا حول ولا قوة إلا بالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7107
تاريخ التسجيل : 10/08/2016

مُساهمةموضوع: رد: صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة   الأربعاء نوفمبر 02, 2016 6:02 am

صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليمًا كثيرًا.

أَمّا بعد: عباد الله:
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية[1]، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه[2]. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن[3]، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق[4]، ولا بالأدم[5]، ولا بالجعد القطط[6]، ولا بالسَّبط[7] - صلى الله عليه وسلم - [8]، وكان ضخم القدمين حسن الوجه[9]، أبيض مليح الوجه[10]، وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين[11]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس[12]، طويل المَسْربة[13]، إذ مشى تكفّأ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ[14]، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: "عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر"[15]. وقال: "إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر"[16]، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: "شيَّبتني هود وأخواتها"، وفي لفظ: "شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت"[17]، وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة[18]، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه[19]، وكان يحب الطيب، ويقول: "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه"[20].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك[21]، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس - رضي الله عنه -: خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: "لو قُضِيَ لكان" أو "لو قُدِّر لكان"[22]، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام[23]، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها[24]، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة[25].

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي[26]، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي[27].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي[28]، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"[29]، وكنيته أبو القاسم[30]، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق[31].

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾[32]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[33]، وقال عز وجل: ﴿ šوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [34]، وقال سبحانه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [36].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه[37]، قال جرير - رضي الله عنه -: ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا"[38] ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس[39] قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس - رضي الله عنه - عشر سنين قال: (فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكًا قطّ ولا عطرًا أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -)[40]. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا[41]، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن[42].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[43] بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا[44]"[45]؛ ولقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[46].

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾[47]، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[48]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"[49]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾[50].

عباد الله!
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾[51]، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[52].

_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matar1215.forumarabia.com
 
صفات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
matar1215 :: الادعيه 1-
انتقل الى: